ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

 

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به رسول الله(ص) أحد أصابه وهو أبو ذر الغفاري، عندما قال له: ” يا أبا ذر حاسب نفسك قبل أن تحاسب فإنه أهون لحسابك غدا، وزن نفسك قبل أن توزن، وتجهز للعرض الأكبر يوم تعرض لا تخفى على الله خافية… يا أبا ذر ما دمت في الصلاة فإنك تقرع باب الملك الجبار، ومن يكثر قرع باب الملك يفتح له… يا أبا ذر ما من مؤمن يقوم مصليا إلا تناثر عليه البر ما بينه وبين العرش ووكل به ملك ينادي: يا ابن آدم! لو تعلم مالك في صلاتك؟ ومن تناجي ما سئمت وما التفت… يا أبا ذر طوبى لأصحاب الألوية يوم القيامة يحملونها فيسبقون الناس إلى الجنة ألا وهم السابقون إلى المساجد بالأسحار وغيرها… 

أيُّها الأحبة: إننا أحوج ما نكون إلى الأخذ بهذه الوصايا لنكون أكثر وعياً لأنفسنا وقرباً من الله وعملاً برضاه وأكثر قدرة على مواجهة التحديات…

والبداية مما يتهدد اللبنانيون على الصعيد المعيشي والحياتي بفعل الارتفاع المستمر في سعر صرف الدولار الأمريكي على حساب الليرة اللبنانية، والذي نرى تداعياته في ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية والمحروقات وكلفة الدواء والاستشفاء والنقل وكافة احتياجات المواطنين في بلد مدولر، وحتى عدم توفرها أو النقص فيها. وحسناً فعلت الحكومة بتجميدها القرار الصادر عنها برفع الدولار الجمركي إلى حدود العشرين ألف ليرة والذي لو طبق كان سيؤدي إلى انفجار اجتماعي.

ونأمل أن لا يكون هذا التجميد مؤقتاً وآنياً لتعاود الحكومة رفعه مجدداً بعد استيعاب ردود الفعل التي حصلت.

ومع الأسف يجري كل ذلك فيما يستمر الانهيار على صعيد خزينة الدولة وعلى صعيد المؤسسات، حيث لا يبدو في الأفق وحتى الآن أية مساعدات خارجية تنقذ الخزينة الفارغة وبوادر لتشكيل حكومة تدير شؤون البلد في ظل الخلاف المستحكم حولها أو حول آليات التشكيل، فيما يتم التعامل مع الفراغ كأمر واقع على صعيد رئاسة الجمهورية لعدم إمكانية التوافق على هذا الرئيس، وعدم قدرة أي من المحاور السياسية على فرض خياره، ما يجعل المشهد الذي سيحصل بعد خلو موقع الرئاسة غامضاً، وقد تكون تداعياته خطيرة وكارثية.

إننا أمام كل هذا الواقع الذي وصلت إليه الدولة وبات يهدد كيانها واستقرارها، وأمام الواقع الصعب الذي بات يعاني منه اللبنانيون ويتهدد حياتهم وأمنهم واستقرارهم في هذا البلد، نجدد دعوتنا لكل من يديرون الواقع السياسي الخروج من حالة الإنكار لكل ما يجري والتعامل مع البلد وكأنه بألف خير إلى العمل بكل جدية ومسؤولية لإخراجه من حال الانهيار الذي وصل إليه، وكما قلنا سابقاً نقولها اليوم أنتم قادرون إن خرجتم من حساباتكم الضيقة وأنانيتكم ومصالحكم الخاصة.

ومن هنا، فإننا نجدد دعوتنا في هذه المرحلة إلى الإسراع بتأليف حكومة قادرة على تلبية احتياجات المواطنين الملحة والأساسية وملء الفراغ الرئاسي وإنقاذ البلد من الانفجار الاجتماعي والسياسي المحتمل.

ونبقى على صعيد ملفات الداخل، لنجدد وقوفنا مع مطالب القضاة المعتكفين بتحسين رواتبهم وسد حاجاتهم لحرصنا على قضاء عادل ونزيه وبعيد عن الارتهان، حيث لا يمكن الاطمئنان إلى قضاء إذا كان من يتولونه لا يملكون القدرة على تأمين العيش الكريم لهم ولأولادهم، ما قد يهدد مناعتهم واستقلاليتهم وعصاميتهم التي ينبغي أن يتحلوا بها. وحيث لا استقرار لبلد ولا أمان فيه ولا اقتصاد ولا سياسة بدون هذا القضاء…

ونبقى على الصعيد التربوي لندعو إلى ضرورة العمل سريعاً لإنقاذ العام الدراسي مما قد يتهدده إن على صعيد المدارس التي باتت غير قادرة على النهوض بأعبائها المتزايدة، لا سيما توفير رواتب المعلمين، أم على صعيد عجز المواطنين عن دفع الأقساط المطلوبة منهم لتعليم أولادهم، ما يتطلب من أجهزة الدولة ووزارة التربية وكل الحريصين على بناء هذا الوطن بذل كل الجهود الممكنة، لمساعدة المؤسسات التعليمية لأداء دورها وبالكلفة التي يستطيع اللبناني تحملها لتعليم أولاده، وإلا فقدت الدولة دورها على صعيد التعليم والتربية وبناء الأجيال.

ونصل إلى مسألة ترسيم الحدود البحرية حيث يستمر العدو بسياسة المماطلة في الإجابة على الشروط اللبنانية ويقرن ذلك بالتهديد إن طالب لبنان بحقه بأن لا استخراج للغاز إن لم يحصل لبنان على حقه.

ونحن على هذا الصعيد، لا زلنا نقف مع أي جهد يبذل لأجل إيجاد حل يضمن حقوق اللبنانيين كاملة، لكننا في الوقت نفسه ندعو إلى الحذر والجهوزية من مغامرات قد يقدم عليها هذا العدو لحرمان لبنان من حقه.

وفي الوقت نفسه، نشدد على إبقاء الموقف اللبناني موحداً، والكف عن كل ما يؤدي إلى إضعافه أو منعه الاستفادة من مواقع القوة التي يملكها.

وأخيراً، نلتقي بالذكرى السنوية الرابعة والأربعون لجريمة العصر، وهي اختطاف الإمام السيّد موسى الصدر ورفيقيه، الذي كان من الواضح أنّ المراد منه استهداف الخطّ الذي رسمه، والذي عبر عنه في موقفه الصلب في مواجهة الفتنة الداخلية والحرمان والفساد والاحتلال.

إننا سنبقى نرى في تغييب هذه الشخصية جريمةً تطاول كلّ الطوائف والمذاهب وكلّ المواقع السياسية، ومن مسؤوليّة الجميع بذل الجهود للكشف عن الغموض الذي لا يزال يلفّ هذه القضيّة، والوفاء لكلّ التوجهات والمعاني والقيم التي عمل من أجلها، لرفع الحرمان ودعم المقاومة وتعزيز العلاقات العربية الإسلامية.